منير سلطان
197
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
ومكنية ، وأنها تجرى في الأسماء والأفعال ، واجراؤها في الأخيرة ، إنما يكون في المصادر ، يقول تعليقا على آية الزمر ( وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها ) [ الزمر - 69 ] قد استعار اللّه عز وجل النور للحق والقرآن والبرهان في مواضع من التنزيل ، وهذا من ذاك ، والمعنى : ( وأشرقت الأرض ) بما يقيمه فيها من الحق والعدل « 1 » . وهي استعارة تصريحية أصلية ، ويقول في آية البقرة ( أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى ) * [ البقرة - 16 ] ومعنى اشتراء الضلالة بالهدى اختيارها عليه ، واستبدالها به ، على سبيل الاستعارة ، لأن الاشتراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر « 2 » وهي استعارة تبعية في الفعل ، ونراه يصرّح - على هدى من عبد القاهر - بأن الاستعارة في الفعل لا تجرى فيه ، وإنما تجرى في المصدر ، يقول تعليقا على آية الكهف ( فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ) [ الكهف - 77 ] ، استعيرت الإرادة للمداناة والمشارفة « 3 » ، وواضح أنه يجعل الاستعارة في المصادر ، ونراه يوجه الاستعارة المكنية في الآيات ، يقول تعليقا على آية البقرة : ( الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ ) * [ البقرة - 27 ] النقض : الفسخ ، وأبطال التركيب . فإن قلت من أين ساغ استعمال النقض في أبطال العهد ؟ قلت : من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين . . وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار ثم يرمزوا إليه بذكر شئ من روادفه فينبهوا بتلك الرمزة على مكانه ، ونحو قولك شجاع يفترس أقرانه ، وعالم يغترف منه الناس . . . لم تقل هذا إلا وقد نبهت على الشجاع والعالم بأنهما أسد وبحر « 4 » . ويقول تعليقا على آية الإسراء ( وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ) [ الإسراء - 24 ] جعل لذلك بهما جناحا خفيضا كما جعل « لبيد » للشمال ( الريح ) يدا ، وللقرّة ( البرد ) زماما مبالغة في التذلل والخضوع « 5 » .
--> ( 1 ) نفس المصدر - 2 / 334 ط 2 بولاق . ( 2 ) نفس المصدر - 1 / 146 ط 2 بولاق . ( 3 ) الزمخشري - الكشاف - 2 / 215 ط 2 بولاق . ( 4 ) نفس المصدر - 1 / 207 ط 2 بولاق . ( 5 ) نفس المصدر - 2 / 185 ط 2 بولاق .